عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
329
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
الموضحة ، وهي كثيرة في اثنتي عشرة كراسة ، شهدت لصاحبها بالفضل الباهر ، مع سرعة الاستحضار ، وإقامة الشاهد ، وله " كتاب حلية المحاضرة " يدخل في مجلدين و " الحاتمي " نسبة إلى بعض أجداد له اسمه حاتم . حكى في أول رسالته المذكورة السبب الحامل له على إنشائها ، فقال : لما ورد أحمد بن الحسين المتنبي مدينه السلام منصرفاً عن مصر ومتعرضاً للوزير أبي محمد المهلبي بالتخيم عليه ، والمقام لديه ، التحف رداء الكبر ، وأرسل ذيول التيه ، ونأى بجانبه استكباراً وثنى عطفه وازدراءاً . وكان لا يلاقي أحداً إلا أعرض عنه بها ، وزخرف عليه القول تمويهاً ، تخيل عجباً إليه أن الأدب مقصور عليه ، وأن الشعر بحر لم يرد به غيره ، وروض لم ير نواره سواه ، فهو يجني جناه ، ويقطف قطوفه دون من تعاطاه ، وكل مجرى في الخلاء يستر ، ولكل نبأ مستقر ، فغير جار على هذه الوتيرة مديدة ، أحرز به رسن البغي فيها ، فظل يموج في تيهه حتى إذ تخيل لأنه السابق الذي لا يجارى في مضمار ، ولا يساوى عذاره بعذار ، وأنه رب الكلام ومفضض عذارى الألفاظ ، ومالك رق الفصاحة . نثراً ونظماً ، وقريع دهره الذي لا يقارع فضلاً وعلماً ، وثقلت وطأته على كثير ممن وسم نفسه بميسم الأدب ، وأنيط من مائه أعذب مشرب ، فطأطأ بعض رأسه ، وخفض بعض جناحيه ، وظاهر من أعلى التسليم له طرفة . وساء معز الدولة أحمد بن بويه ، وقد صورت حاله أن يرد حضرته - وهي دار الخلافة ومستقر العز ، بيضة الملك - رجل صدر عن حضرته سيف الدولة ابن حمدان ، وكان عدواً مبايناً لمعز الدولة ، فلا يلقى أحداً بمملكته يساويه في صناعته ، وهو ذو النفس الأبية والعزيمة الكسروية ، والهمة التي لو هممت بالدهر لما قصرته بالإحراز صروفه ، ولا دارت عليهم دوائره وحنوقه ، وتخيل الوزير المهلبي رجماً بالغيب أن أحداً لا يستطيع مساجلته ، ولا يرى نفسه كفوءاً له ، ولا يصلح بأعيانه فضلاً عن التعلق بشيء من معانيه ، ولم يكن هناك مزية يتميز أبو الطيب بها تميز الهجين الجذع من أبناء الأدب ، فضلاً عن العتيق القارح إلا الشعر ، ولعمري إن افتاته كانت فيه ريطبة ومجانبة عذبة له منيعاً عواره ، معلماً أظفاره ، ومذيعاً أسراره ، وناشراً مطاويه ، ومنقذاً من نظمه ما تسمح فيه ، ومتوخياً أن يجمعنا دار يشار إلى ربها ، فأجري أنا وهو في مضمار ، ويعرف فيه السابق من المسبوق ، واللاحق من المقصر عن اللحوق ، وكنت إذ ذاك ذا سحاب مدرار ، وزند في كل فضيلة ودار ، وفظيع يناسب صفو العقار ، إذا وصبت بالحباب ووسبت به سرائر الأكواب ، والخيل تجري يوم الرهان بإقبال أربابها لا بعروقها ونصابها ، ولكل امرئ حظ من مواتاة زمانه ،